عمليات التجميل ونشر صورها

فتوى رقم 074 باب حفظ الأعراض، باب سد الذرائع الشيخ الدكتور طه الزيدي 1 مشاهدة
ما حكم إجراء عمليات التجميل؟ ونشر صور لنتائج هذه العمليات لنساء مكشوفات مع تمويه أماكن العورة؟
في هذه المسألة التفصيل الآتي:
  • أولًا: إن الله خلق الإنسان في أحسن صورة وأكملها، قال تعالى: (ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (سورة التين: 4)، والحسن والجمال أمر نسبي فلا يسعى للمماثلة والمحاكاة والتلاعب بهذا الخلق لأجل ذلك.
  • ثانيًا: أي تغيير في خلق الله بدعوى طلب الحسن والجمال لا يجوز شرعًا، فهي دعوى شيطانية منهي عنها، قال تعالى: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) (سورة النساء: 119)، فهذه الآية الكريمة واردة في سياق الذم، وبيان المحرمات التي يُضِلُ بها الشيطان بني آدم ويزينها لهم، ومنها تغيير خلق الله، أو التلاعب به، طلبًا للحُسن الزائد والصورة الأجمل، مجاراةً للمودة ومحاكاةً لأهل الفساد ومراعاةً لمقاييس الجمال بقصد الإغراء والفتنة، وهو المقصود بحديث: (لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ)(1)، ويدخل في هذا النوع عمليات تجميل الأنف إما بتصغيره أو تكبيره وتجميل الثديين للنساء بالتصغير أو التكبير وتجميل الوجه بشدّ التجاعيد، وشدّ البطن، وعمليات تقويم الأسنان بقصد التفلج أو زيادة التجمُّل، ومن أشدها عمليات تغيير الجنس مع كمال أعضاء الجهاز التناسلي عند صاحبها.
  • ثالثًا: قد يحصل عيب في الخلقة بزيادة عضو أو جزء منه أو نقصانه، أو تشوهات نتيجة حادث حرق أو دهس أو سوء استخدام للمواد الكيمياوية أو الدوائية، ويتضرر منها صاحبها، حسيًا أو معنويًا، بل قد تشكل عليه خطرًا كالسمنة المفرطة، فهذا مطلوب شرعًا إزالته ويترخص في علاجه بفعل تدخل جراحي؛ ومنها عمليات زرع الشعر أو زرع الأعضاء المقطوعة أو التالفة، أو إزالة الأعضاء الزائدة، أو قص المعدة أو شفط الدهون من البطن والصدر والأرداف التي تسبب السمنة المفرطة وتشكل عبئاً ثقيلاً على الجسم، وتؤثر على أداء بعض أعضائه وأجهزته لوظائفها بشكل سليم، وتزيد من نسبة الإصابة ببعض الأمراض كضغط الدم والسكري، لأن عرفجة بن أسعد قُطع أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفًا من ورق، فأنتن عليه، فأمره النبي (ﷺ)، فاتخذ أنفًا من ذهب(2)، ويستأنس بحديثه (ﷺ): «إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الْأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا،.. قَالَ: فَأَتَى الْأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا،.. قَالَ: فَأَتَى الْأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ»(3)، والشاهد أن هذه الأعمال الثلاثة ليست من باب التجميل الزائد أو زيادة الحسن، ولا من باب تغيير خلق الله، بل هو من باب إزالة العيب وردّ ما نقص، فدل على مشروعية العمليات لأجل ذلك، وللقاعدة الفقهية: الضرر يُزال، وهي تشتمل على إزالة الضرر الحسي، والمعنوي، بشرط أن لا تؤدي هذا العمليات إلى ضرر أشد من الضرر الذي يُراد إزالته.
  • رابعًا: ما من تدخل طبي علاجي أو جراحي إلا وفيه ضرر أو آثار جانبية أو مضاعفات، لدرجة أن الأطباء المهنيين لا ينصحون بإجرائها، ولذا لا يجوز اللجوء إليها إلا من باب الاضطرار والحاجة، وأما التحسينيات فلا؛ لأن درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة، ولاسيما في الأمور التحسينية والتكميلية؛ لأن مضاعفات إجراء هذه العملية كثيرة وبعضها خطيرة.
  • خامسًا: من مقاصد كثير ممن يقوم بعمليات التجميل الغش والتدليس ليبدو صاحبها على غير حقيقته وعمره، ومنها ترقيع غشاء البكارة للزانية، وكل ذلك مُحرمٌ شرعاً، لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي»(4).
  • سادسًا: من مقاصد بعض عمليات التجميل معالجة آثار الحدود الشرعية، كقطع اليد أو بسبب القصاص، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز مثل هذه العمليات التجميلية لإزالة أثر الحدود.
  • سابعًا: في عمليات التجميل لا يجوز أن يباشرها من ليس من جنس من تُجرى له العملية أي الطبيب يعالج الرجال والطبيبات يجرين عمليات للنساء إلا عند الضرورة، لما يعتري هذه العمليات من كشف للعورات، ولا يجوز النظر إليها إلا لضرورة، وأكثر العمليات لا تندرج تحت الضرورة.
  • ثامنًا: وأما نشر صور لهذه العمليات أو لنتائجها بقصد الدعاية وترغيب الناس فيها، فأي صورة تظهر عورة لا يجوز نشرها، حتى لو تم تمويه مكان العورة، حتى لو رضي أصحابها، كما لا يجوز شرعًا وقانونًا نشر أية صورة ليست فيها مخالفة شرعية إلا بإذن أصحابها ما لم تكن الصورة عامة ومتداولة في شبكة الإنترنت. والله أعلم.

التخريج والمصادر

1أخرجه البخاري ومسلم.

2أخرجه أبو داود، وهو حديث حسن.

3أخرجه البخاري ومسلم.

4أخرجه مسلم.

إرسال استفسار

يجب أن يكون لديك حساب على الموقع للتعليق على الفتوى.

تسجيل الدخول

هل لديك سؤال شرعي؟

يسرنا استقبال أسئلتكم والرد عليها، تفضل بطرح سؤالك.