اليمين الكاذب لضرورة معتبرة

فتوى رقم 080 باب الأيمان والنذور الشيخ الدكتور طه الزيدي 2 مشاهدة
طلب مني صديق أن آتي معه لأخبر أهله بأمرٍ خلاف الحقيقة لدفع أذىً عنه وتفاجأت بأن أهله طلبوا مني أن أقسم على القرآن، فأحرجت وأقسمت، هل أنا آثم وماذا عليَّ فعله؟
معلوم أن الكذب محرمٌ في الشرع، بل ليس من صفات المؤمن الكذب، كما أن اليمين الكاذب ذنبٌ عظيمٌ ومن أكبر الكبائر، ويُسمّى اليمين الغموس لأنّه يغمس صاحبه في الإثم لقوله (ﷺ): (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس)(1).
ولكن إذا كانت هنالك ضرورةٌ ملجئة، أو مصلحةٌ شرعيةٌ راجحة؛ من جلب نفعٍ، أو دفع ضرٍ، لا تُؤخذ إلا بالكذب، أو لا تتحقق إلا بحلف اليمين كذبًا، فقد رخَّص بعض أهل العلم في الحلف كاذبًا، كأن يترتّب على عدم الحلف ضياع حق لا يمكن تحصيله إلا بذلك، أو دفع أذىً أو ضرر عن شخص، بشرط أن لا يتسبب بإلحاق أذىً بإنسان بريء أو ضياع حقه، حينئذٍ يجوز الإقدام على الحلف الكاذب، وعلى صاحبه التوبة والاستغفار، وذهب جمهور الفقهاء بعدم كفارة اليمين عليه، وذهب بعض الفقهاء ومنهم الشافعية إلى جواز، دفع كفارة اليمين لأنه أحوج إليها.
وإذا كان المقصد من الكذب والحلف عليه لأجل الاصلاح الأسري أو دفع ظلم ظالم أو عدوان مستبد، فلا إثم عليه، بل قد يُؤجر، لقوله (ﷺ): (لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا)(2).
ومع ذلك ننصح في مثل هذه المواقف بالحرص على استعمال التورية ما أمكنه ذلك، وهي إرادة المتكلم بكلامه أمرًا "خفيًا" غير الظاهر منه، كي يتفادى وقوع الأذى والكذب بوقتٍ واحد، عن سويد بن حنظلة، قال: خرجنا نريد رسول الله- (ﷺ)- ومعنا وائل بن حُجر، فأخذه عدوٌ له، فتحرَّج القومُ أن يحلفوا، وحلفتُ أنه أخي، فخلَّوا سبيله، فأتينا رسول الله- (ﷺ)- فأخبرته أن القوم تحرَّجوا أن يحلفوا، وحلفتُ أنه أخي، قال: (صدقتَ؛ المسلم أخو المسلم)(3)، وفيه دليل على جواز الكذب في الحلف، إذا دعت ضرورة أو حاجة ماسة، مثل: إنقاذ نفس المسلم، أو ماله، مع الحرص على استعمال التورية.
كما عليه أن ينصح من كذب لأجله، أن لا يعود لمثل هذا التصرف الذي لا يليق به مستقبلًا وإلا أظهر الحقيقة إن تكرر هذا التصرف أو نحوه.

التخريج والمصادر

1أخرجه البخاري.

2أخرجه البخاري ومسلم.

3أخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

إرسال استفسار

يجب أن يكون لديك حساب على الموقع للتعليق على الفتوى.

تسجيل الدخول

هل لديك سؤال شرعي؟

يسرنا استقبال أسئلتكم والرد عليها، تفضل بطرح سؤالك.