فاقد الطهورين
السؤال
أخي معتقل، وأحيانًا يكون مقيدًا لفترات طويلة ولا يستطيع الوضوء والتيمم، هل يجوز له أن يصلي من غير طهارة أم يؤخرها حتى يتمكن من الطهارة؟
الجواب
نسأل الله تعالى أن يفرج عن المعتقلين المظلومين عاجلًا غير آجل.
هذه المسألة أطلق عليها الفقهاء (فاقد الطهورين)، وهي حالة الفقد الحقيقي أو الحكمي للطهارة سواء أكانت أصلية (الوضوء) أم بدلية (التيمم)، ويعنون بها الشخص الذي فقد القدرة على استعمال ما يتطهر به وهما الماء وما ينوب عنه من الصعيد الطيب كالتراب، وتأتي عنايتهم بها لما ينبني عليها من أحكام من حيث صحة صلاة العبد وفسادها، وما هو الواجب على العبد إذا ابتلي بشيء من ذلك، وقد تنوعت عبارات الفقهاء وتعددت، والذي يترجح عندنا في هذه المسألة أنه يصلي ولا يقضي ولا يعيد، لما ثبت من حديث السيدة عائشة (رضي الله عنها) في الصحيحين وقد بوبه البخاري في صحيحه: باب إذا لم يجد ماءً ولا تراباً، ونصه: أنّ عائشة استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فأرسل رسول الله (ﷺ) ناساً من أصحابه في طلبها فأد ركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلمّا أتوا النّبي (ﷺ) شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم(1)، ويعدّ هذا الحديث نصاً في هذا الموضع، إذ إنه لما حضرت الصلاة وليس عندهم ماء صلوا بغير وضوء، ثم قدموا على رسول الله (ﷺ) فلم يعنفهم ولم يوبخهم؛ لأنهم صلوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذٍ ممنوعة لأنكر عليهم النبي (ﷺ)، والحديث ليس فيه ذكر أنهم فقدوا التراب وإنما فقدوا الماء فقط، ولكن عدم الماء في ذلك الوقت كعدم الماء والتراب بعد تشريع التيمم؛ لأنه لا مطهر سواه، واستنادًا إلى قاعدة المشقة تجلب التيسير ورفع الحرج والعمل بالمستطاع، لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: 16)، وقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: 286)، (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: 78)، ولقوله (ﷺ): (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)(2)، فلا يلزمنا من الشرائع إلا ما استطعنا، وإن ما لم نستطعه فساقط عنا، وثبت أن الله تعالى نهانا عن ترك الوضوء أو التيمم للصلاة إلا أن نضطر إليه، والممنوع من الماء والتراب مضطر إلى ما نهي عنه من ترك التطهير بالماء أو التراب، فسقط عنا تحريم ذلك عليه، وهو قادر على الصلاة، فإذا صلى على حاله الذي ذكرنا فقد صلى كما أمره الله تعالى، ومن صلى كما أمره الله تعالى فلا شيء عليه، ولم ينكر النبي عليه الصلاة والسلام عليهم الصلاة بغير طهارة، ولم يأمرهم بقضاء الصلاة، فدل على عدم الإعادة عليهم، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن تصلى صلاة مرتين(3).
ومما سبق نتبين أن الصحابة قد صلّوا بدون وضوء، ولا تيمم، لأن التيمم لم يشرع بعد، فدل على أن من فقد الطهورين صلى ولا تلزمه إعادة، لأنه عليه الصلاة والسلام صوّب فعلهم ولم يأمرهم بها؛ ولأن في الإعادة نوع من المشقة والحرج والشرع جاء برفعه.
ويصلي هذا المعتقل بالكيفية التي يقدر عليها، ويأتي من الأركان العملية ما يستطيع من ركوع أو سجود، وإن لم يستطع الحركة فيجوز له أن يصلي إيماءً. والله أعلم وأرحم بعباده.
التخريج والمصادر
1وهي قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) (سورة النساء: 43).
2أخرجه البخاري ومسلم.
3لقوله (صلى الله عليه وسلم): (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وهو حديث حسن.
هل لديك سؤال شرعي؟
يسرنا استقبال أسئلتكم والرد عليها، تفضل بطرح سؤالك.
يجب أن يكون لديك حساب على الموقع للتعليق على الفتوى.
تسجيل الدخول