د. طه أحمد الزيدي

يقسم علماء السيرة الدعوة في مكة إلى مرحلتين: سرية وعلنية، وامتدت الدعوة بصورتها السرية ثلاث سنوات، وسببها أن مكة كانت مركز دين العرب، وكان بها سدنة الكعبة، والقوام على الأوثان والأصنام المقدسة عند سائر العرب، فالوصول إلى المقصود من الإصلاح فيها يزداد عسرًا وشدةً عما لو كان بعيدًا عنها، فالأمر يحتاج إلى عزيمة لا تزلزلها المصائب والكوارث، وكان من الحكمة تلقاء ذلك أن الدعوة في بدء أمرها سرية، لئلا يفاجئ أهل مكة بما يهيجهم.

المشروعية الإعلامية من المصدر لا المجتمع

المشروعية في العمل الإعلامي والدعوي، يأخذها المرسل من المصدر وليس من المجتمع، وإنما المجتمع هو البيئة الحاضنة والمقصودة من العملية الإعلامية، ولما كانت الرسالة السماوية جاءت بمفاهيم جديدة تغاير كثير من المعتقدات الموجودة في المجتمع المكي، وتعمل على إزالتها أو تغييرها، فمن المؤكد ستواجه رفضًا نخبويًا ولاسيما من الزعماء؛ لأنهم يرونها ستستهدف مراكزهم ومناصبهم، وتؤلب الرأي العام المُنقاد عليهم.

لذلك اقتضت الحكمة أن تنطلق الدعوة، ويكون الإعلام برسالة الإسلام بصورة سرية، ضمن مبدأ التدرج والاستقطاب الجزئي للجمهور واستمالتهم، وتجنب الصدامات مع القوى المتنفذة ماديًا ومجتمعيًا، ولاسيما عندما يكون المُرسل يفتقر إلى القوة المادية الظاهرة.

ولذلك نجد أغلب المؤسسات الإعلامية ولاسيما الهادفة؛ تبدأ بعد نضوج الفكرة لدى مؤسسها بمرحلة غير معلنة في تأسيسها، لترتب وضعها وتستقطب بعض العاملين فيها بعيدًا عن الإعلام والتحرك المعلن.

العلاقات العامة المحدودة أساس الدعوة السرية

في أي مرحلة سرية من العمل، فإن أفضل أنماط الاتصال المتبع في بيئتها يكون عبر العلاقات العامة، وهي نشاط اتصالي يتضمن الجهود المنظمة والعمليات التي تقوم بها جهة لتنظيم العلاقات بينها وبين جمهور العاملين فيها، وجمهور المتعاملين معها في الحال والاستقبال، بهدف تحقيق علاقات إيجابية مع هذه الجماهير لأجل الاقتناع والمشاركة.

وهذا النشاط التواصلي يتلاءم مع متطلبات المرحلة السرية للدعوة والتبليغ، مع مراعاة التحرك الحذر وفق خطةٍ دقيقةٍ مدروسةٍ في اختيار الرعيل الأول أو المجموعة الأولى أو الدائرة الأقرب للمرسل، لتتم مفاتحتهم بالرسالة وإعلامهم بمحتواها، وعادةً يكون المرسل على تواصل ومعرفة سابقة بهم، وأن لهم موقفًا مسبقًا في رفض الواقع الفاسد ورغبة صادقة في إصلاحه.

إعلان
مساحة إعلانية

وعلى ضوء هذه المعاني كان من الطبيعي أن يعرض الرسول الإسلام أولًا على ألصق الناس به وآل بيته، وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، ودعا إليه كل من توسم فيه خيرًا ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الله والحق والخير، ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء- الذين لم تخالجهم ريبةٌ قط في عظمة الرسول وجلالة نفسه وصدق خبره- جمعٌ عُرِفُوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين، ويمثلون الرعيل الأول في الدعوة وفي مقدمتهم زوجة النبي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي، وابن عمه علي بن أبي طالب- وكان صبيًا يعيش في كفالة الرسول- وصديقه الحميم أبو بكر الصديق، أسلم هؤلاء في أول يوم من أيام الدعوة(1).

ويُلاحظ على هذه الدائرة على ضيقها إلا أنها ضمت نماذج من أطياف المجتمع كافة، السيد الشريف في قومه، والمولى التابع، والمرأة، والصبي.

النقطة المستضيئة إعلاميًا (فلسفة الضياء والنور في بناء شبكة العلاقات)

في الحقيقة القرآنية أن الضياء مصدره ذاتي، والنور مصدره عاكس، وهذا معتمد في الإعلام، ولذلك تميزت العملية الاتصالية للرسالة السماوية بأن الطرف الأول فيها يتألف من ثلاث مراتب: المصدر، والمرسل، والقائم بالإعلام.

فالمرسل يتلقى محتوى الرسالة من المصدر بواسطة الوحي، وهو بدوره يقوم بالتبليغ، ويأتي من بعده من يقوم بالتبليغ عنه فيؤدي دوره الإعلامي بما يوجهه به وإليه المرسل، فهو يضيء بنور الرسالة الذي يتلقاه من المرسل، ويمكن أن نطلق عليه في منظومة الشبكة الإعلامية أو شبكة العلاقات العامة (النقاط المستضيئة)، التي تتلقى الحق لتسترشد به وترشد غيرها إليه، وبذلك تستقطب جمهورًا محددًا لتربطه بالمرسل، ويكون شدة استقطابها مبنيًا على قوة النور الذي استضاء فيها من المرسل وقوة انبعاثه منها، ومن أروع الأمثلة على النقاط المستضيئة في الدعوة الإسلامية أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

فقد نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، بمجرد أن عرضت الرسالة عليه من قبل صاحبه محمد وتصديقه بها، وكان رجلًا مألوفًا محببًا سهلًا، ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه، لعلمه وتجارته، وحسن مجالسته، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه عثمان بن عفان الأموي، والزبير بن العوام الأسدي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص الزهريان، وطلحة بن عبيد الله التيمي، فكان هؤلاء النفر الذين سبقوا الناس هم الرعيل الأول وطليعة الإسلام، ثم أبو عبيدة عامر بن الجراح من بني الحارث بن فهر، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم المخزوميان، وعثمان بن مظعون، وأخواه قدامة وعبد الله، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوي، وامرأته فاطمة بنت الخطاب العدوية أخت عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وخلق سواهم، وأولئك هم السابقون الأولون، وهم من جميع بطون قريش، وكانوا من الأحرار الذين أسلموا طواعيةً إيمانًا بالرسالة وتصديقًا بالمرسل.