الدكتور طه أحمد الزيدي
الحمد لله في الأولى والآخرة، أهل التقوى والمغفرة، والصلاة والسلام على رسول الله ذي الرسالة العطرة، وهادي النفوس الحائرة، قصر بالعدل القياصرة، وكسر بالحق الأكاسرة، وعلى آله العترة الطاهرة، وعلى صحبه من الأنصار والمهاجرة، أما بعد:
فإن الحديث عن الأسرة يستلزم بيان الدوافع وراء هذا الحديث وأهميته، وحاجة الناس إليه.
وقد تكفل الله تعالى في بيان أهمية الأسرة في آية جامعة ماتعة، تطرقت إلى فوائد أسرية نافعة، ومعاني اجتماعية رائعة، قال الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) سورة الروم: 21.
فالأسرة آية من آيات الله تعالى، وهذا يبين عظيم مكانة الأسرة في التشريع الرباني، فمثلما السموات وما فيها من شمس ونجوم وأفلاك آيات كونية عظيمة، ومثلما الأرض وما فيها من جبال وبحار ومحيطات آيات جليلة، فإن الأسرة آية من آيات الله تعالى، لأن الجماعات والمجتمعات والدول والحضارات لا تقوم إلا على أساس واحد قوامه الأسرة.
ومثلما لا يتحقق التوازن الكوني إلا بنظام دقيق يحكم هذه الآيات الكونية في السماوات العلا والأرضين وما تحت الثرى، فكذلك لا يتحقق التوازن الاجتماعي إلا بالاستقرار الأسري، ومع أن الأسرة أصغر وحدة في البناء الاجتماعي؛ إلا أنها تمثل القلب في جسد المجتمع، فإن صلحت صلح المجتمع، وإن فسدت فسد المجتمع كله، بل إنه ينهار بانهيارها وينحدر بانحدارها.
ومن هنا كانت الفائدة الثانية في بيان أهمية الأسرة؛ كونها في المجتمع من أهم عوامل وحدته واستقراره، ومن أبرز معالم تقدمه وازدهاره، ولذا جاء الخطاب في آية الأزواج بصيغة الجمع، وخطاب للقوم الذين يتفكرون للدلالة على الأهمية الاجتماعية في البناء الأسري. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) سورة النساء: 1.
فلا تُبنى الشعوب المتماسكة والحضارات المتعايشة؛ ولا تتسع القبائل المتآخية إلا من خلال روابط المحبة، التي تقوم عليها الأسر والعائلات، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) سورة الحجرات: 13.
وأنتم أيها المسلمون؛
يا من تحبون النبي عليه الصلاة والسلام، وتتفاخرون بانتسابكم لدينه، والانتماء لرسالته، والعمل بشريعته، وتتباهون باتباعكم لهديه، والتمسك بمنهجه، واقتفاء سنته، فإني سأرشدكم إلى طريقٍ إن سلكتموه فإن النبي عليه الصلاة والسلام سيتباهى بكم، إمام الأنبياء يفتخر بمكاثرتكم، إمام الأمم ﷺ يقول: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ»، وفي رواية: «إِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه ابن ماجه وأحمد، وقَالَ: «تَنَاكَحُوا، تَكْثُرُوا، فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه عبد الرزاق في المصنف.
سؤال لكم:
إعلان
مساحة إعلانية
أين مات النبي عليه الصلاة والسلام؟ (هل في ساحة الجهاد وفي كل عام له غزوتان أو ثلاث؟ هل في سجود وهو الذي قام حتى تورمت قدماه؟ هل في مجلس قضاء وهو أعدل الناس وأخشاهم لله؟)
لقد مات في بيته وعلى صدر زوجته لعظيم مكانة الأسرة.
نعود مرة أخرى إلى الآية الكريمة، (ومن آياته….)، وهذه فائدة جديدة في بيان أهمية الأسرة.
فالأسرة سبب من أسباب السكينة والاستقرار النفسي، ومُدخلاً من مداخل تبادل المحبة والمودة، وبابًا عظيمًا تَلِجُ بك إلى قصور العفة وأبراج الطهر والنقاء،
فالأسرة حقًا كما جاء في قواميس اللغة ولسان العرب الدرع الحصين، لأن الله تعالى خلق غريزة الميل العاطفي بين الذكر والأنثى بصورة تلقائية، تنبع من أعماق النفس (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) آل عمران: 14.
قال عليه الصلاة والسلام: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» متفق عليه.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: “قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ؟ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ” رواه ابن ماجه والنسائي وأحمد، وضعّفه الألباني.
وعَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ امْرَأَةً صَالِحَةً، فَقَدْ أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى شَطْرِ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي» رواه الطبراني في المعجم الأوسط، والحاكم، وصححه الذهبي.
وتبقى الأسرة قرة عين للإنسان: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) الفرقان: 74.