د. طه أحمد الزيدي
يعرف الإمام السيوطي سبب النزول بأنه: (ما نزلت الآية أيام وقوعه)(1)، وتفصيله: ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أو مبينة لحكمه أيام وقوعه، والمعنى إنه حادثة وقعت في زمن النبي ﷺ أو سؤال وجه إليه، فنزلت الآية أو الآيات من الله تعالى ببيان ما يتصل بتلك الحادثة أو بجواب هذا السؤال(2).
إن التأمل الدقيق في الأبعاد الإعلامية في ظاهرة أسباب النزول، على وجه الإجمال نخرج بالنتائج الآتية:
-
المواكبة في البناء الإعلامي
إن نزول الآيات القرآنية لسبب يؤكد على حكمة إعلامية، تتجلى في المواكبة للأحداث والوقائع وما يستلزم من ردود على أسئلة أو شبهات، وهذا ينمي الواقعية في بناء إعلام حقيقي يواكب الأحداث، فالآية أو الآيات أو السورة تهبط وحيًا على النبي ﷺ لتكون ردًا على ادعاء، أو محاورة مع مكابر، أو تأييد لموقف، أو تبرئة لمتهم مظلوم، أو تشريعًا وتنظيمًا لأوضاع ووقائع جديدة لم تكن من قبل(3).
-
تحجيم التشويش الإعلامي
من أشد ما يؤثر على سير العملية الإعلامية وفي وصول الرسالة من المصدر إلى المتلقي عبر واسطة هو محاولة التشويش لحرفها عن مسارها، أو تضليل المتلقي عن حقيقتها، فنزول الآيات وقت الحدث تسهم بشكل فاعل في تحجيم التشويش على الرسالة، وهو بذلك لا يترك مجالًا للتضليل الإعلامي الذي يمارسه خصوم الرسالة.
فمعرفة أسباب النزول يقابله في الإعلام المعاصر معرفة سبب الأحداث والوقائع ولذلك من الأسئلة المحورية في تغطية الأحداث والوقائع (لماذا) أي ما سبب وقوع الحدث وحصوله، لتكون الصورة متكاملة لدي المتلقي، ففي بعض الأحيان إن معرفة سبب الحادثة يغير التصور 180 درجة، كما يصور الإعلام الغربي أن الفلسطينيين المسلمين يقتلون الآخرين الذي يعيشون في ديارهم بسلام، وحقيقة الأمر أن المسلم في فلسطين يدافع أولًا عن أرضه التي احتلها الصهاينة، أو أنه يدافع عن نفسه أو عائلته التي اعتدى عليها هذا المستوطن المسالم بزعمهم، وهل يعلم الناس أن الإعلام الصهيوني صور للغرب أن الطفل الشهيد محمد الدرة ووالده هما مستوطنان إسرائيليان يختبئان من هجمات الإرهابيين الفلسطينيين، الذين لا يرحمون الصغار ولا الآباء المسالمين.
كما أنّ حصر طرق معرفة أسباب النزول بالصحابة، لها دلالة إعلامية على أن الحدث يؤخذ من أقرب مصدر إليه، ولذا نجد بعض المحطات الإخبارية تضع شعارًا لها “الأقرب إلى الحدث”، أو “في الحدث”.

-
تنمية القدرة على حسن الاستدلال:
إن الإلمام بسبب النزول ينمي القدرة لدى القائم بالإعلام والتبليغ على حسن الاستدلال بالآيات بتنزيلها في الوقت المناسب للتأثر بها، كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عند وفاة النبي ﷺ واضطراب الناس، ولاسيما عمر في وفاة النبي فلما تلا قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِين) (سورة آل عمران: ١٤٤)، وبذلك أذيعت الحقيقة المنزلة فعلًا في سياق زمني مناسب أيضًا، مع أنها كانت قد نزلت في مناسبة أخرى وقبلها بوقت طويل(4).
وكما فعل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، حينما طلب النجاشي ملك الحبشة شيئًا مما نزل على محمد ﷺ يتعلق بشأن المسيح عليه السلام، فقرأ من سورة مريم، حتى بكى النجاشي وأساقفته وبللوا لحاهم ومصاحفهم من الدموع، فكان ذلك الاختيار من جعفر غاية الحكمة وحسن التنزيل للآيات في موضعها وفي الوقت المناسب، ومراعاته الرأي العام في الحبشة، تحقيقًا للتأثير في المتلقي وإن كان كبير قومه أو معاندًا، وقد نجح جعفر وصحبه في كسب تأييد الملك وحاشيته، وحصل وفد المسلمين على المكاسب السياسية المتوخاة من ذهابهم إلى الحبشة، وأُصيب وفد قريش بهزيمة إعلامية وسياسية وعادوا خائبين.
تطبيقات إعلامية
ومن تطبيقات الإعجاز الإعلامي في تنجيم القرآن وسبب نزول الآيات: توظيفه في الممارسة الإعلامية، من خلال مراعاة الحالة النفسية المهيأة وظروف الزمان والمكان المواتية، ليكون التوقيت المناسب لنشر وإذاعة المادة الصحفية والإعلامية، وبث الأفكار والآراء والمعلومات المطلوب توصيلها إلى المتلقين وغيرهم، حيث يكونوا مهيئين لقراءة تلك المادة الإعلامية، والاستماع إليها، ومشاهدتها، والانفعال بها، وتقبل تلك الأفكار والآراء والمعلومات والتصرف من خلالها، وتكوين رأيهم على ضوئها.
فالصحفي الناجح والإعلامي الماهر هو الذي يدرس اللحظة وينظمها في سياق التأثير والإقناع، لا تتقدم ولا تتأخر، بل يتحرى الوقت المناسب لإذاعة الحقيقة، فالصحفي يتعامل مع الناس، والناس بمشكلاتهم وقضاياهم المطروحة والأحداث التي يعيشونها، هم مادة الصحافة ووسائل الإعلام الناجحة التي تحقق الغاية المطلوبة منها بشرط أن تطرحها في الوقت المناسب، عندئذ تكون الاستجابة فورية وتتحقق النتيجة المبتغاة لصلاح المجتمع وحل مشكلاته، وتنوير القراء وتكوين رأي عام راشد، يتصرف بحكمة وروية في مواجهة المشكلات التي تعترضه، والأحداث التي تفجأه.
هذه القاعدة الهامة، وهي التوقيت المناسب أو إذاعة الحقيقة في أوانها تستمد أهميتها ومعناها وعمق جذورها من أسباب نزول القرآن منجمًا بحسب الحوادث على امتداد ثلاثة وعشرين سنة، كل آية أو مجموعة آيات أو سورة تنزل بمناسبة من المناسبات أو تعالج مشكلة من المشكلات أو ترد على موقف معين أو تناقش رأيًا مطروحًا في واقعة محددة(5).
إن ظاهرة سبب النزول على محدوديتها ضمن القرآن، هي ظاهرة إعلامية بامتياز، حققت مقاصد إعلامية في التأثير بالمتلقين وهذا هو الهدف الكبير من إنزال الكتب وإرسال الرسل: بيان الحق وإبلاغهم به، والحرص على هدايتهم إليه.

