د. طه أحمد الزيدي

يقول الله تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (سورة الحج: 27–28)، هذه من الآيات المُعجزات في الإعلام، فقد استخدمت لفظ يدل عليه، وضمن عناصر العملية الإعلامية من مصدر أمر وقائم بلغ ورسالة حددت بالحج وجمهور يتلقى، وانتقل النداء الإعلامي عبر الأثير إلى مشارق الأرض ومغاربها حتى بلغ من في الأرحام، واستجابوا وهذا مما لم تصل إليه التقنيات الحديثة التي تحاول محادثة الأجنة، قال المفسرون: لما فرغ إِبراهيم عليه السلام من بناء البيت، أمره الله تعالى أن يؤذِّن في الناس بالحج، فقال إِبراهيم: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال: أذِّن، وعليَّ البلاغ، فعلًا على جبل أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس: إِن ربكم قد بنى بيتاً، فحجُّوه، فأسمع مَنْ في أصلاب الرجال وأرحام النساء ممن سبق في علم الله أن يحج، فأجابوه: لبيك اللهم لبيك.

التربية الإعلامية في الحج:

من المعاني التربوية التي يتلقاها الإعلامي وهو يشهد فريضة الحج وتنمي شخصيته:

  • أولًا: الحج مدرسة لتعميق معاني التوحيد الخالص.

  • وثانيًا: أن مناسك الحج توقظ القلوب نحو تذكر عوالم اليوم الآخر.

وقد يكون بعض الإعلاميين معتادين على الأسفار بحكم عملهم وما يتطلبه من الانتقال إلى مواقع الحدث، لكن السفر للحج بما يتضمنه من المعاني السابقة يترك أثرًا في نفسية الإعلامي لن يدركه في أي سفر آخر.

تنقية نفوس الإعلاميين:

الحج موسم عبادة تصفو فيه الأرواح، وهي تستشعر قربها من الله في بيته الحرام، ويجعل الإعلامي يعود من رحلته أصفى قلبًا، وأطهر مسلكًا، وأقوى عزيمةً على الخير، وأصلب عودًا أمام مغريات الشر، وخاصةً في الأوساط الإعلامية، وكلما كان حجه مبرورًا خالصًا لله كان أثره في حياته أكبر وأكثر، حتى لتعيده وكأنه مولودٌ جديدٌ يستقبل الحياة وكله طهر ونقاء، يقول النبي : (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) رواه البخاري، وكيف لا يستشعر هذه الروحية الجياشة ولم يبق له بعد الحج إلا خطوة فيدخل الجنة، يقول عليه الصلاة والسلام: (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) متفق عليه.

Mustain Ruddin YMM8eayOqac Unsplash 3 Scaled
مسن يدعو الله عند جبل عرفات

منافع ثقافية وإعلامية:

الحج موسم يوسع فيه الإعلامي من أُفُقِهِ الثقافي؛ لأن لقاء علماء الأمصار يجعل الإعلامي يطلع عن كثب على أحوال العالم الإسلامي، فالحج مؤتمر ثقافي وتجمع إعلامي واسع، يتزود من خلاله الإعلامي بمعارف ومعلومات وأخبار لا تتحصل له إلا ببذل جهود كبيرة، وأموال طائلة، وأوقات قد لا يدركها العمر، ومن أهم الجوانب الإعلامية التي يمكن للإعلامي أن يكتسبها في موسم الحج ويوظفها في فكره وعمله الإعلامي.

الإعلام السياسي:

إعلان
مساحة إعلانية

في مؤتمر الحج السنوي يلتقي رجال الإعلام والصحافة بالدعاة وزعماء الإصلاح  وعلماء الفقه السياسي الإسلامي، وقد اجتمعوا في هذا الموسم على هدف واحد، هو التعارف والتفاهم والتعاون على تدبير أفضل الخطط وأسمى الوسائل لتحقيق أهداف الشريعة، وتحقيق الآمال التي ترتجيها الشعوب الإسلامية؛ وبيان الأحكام والرؤية الإسلامية للأحداث المعاصرة ونشرها، ولهم في رسول الله أسوة حسنة، حيث اتخذ من موسم الحج منبرًا لإعلان المعاهدات أو نقضها، فعندما حج أبو بكر الصديق رضي الله عنه أرسل معه علياً رضي الله عنه ليعلن للناس نقض الرسول لمعاهدات المشركين الناكثين، وأمره أن يعلن أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، كما أنه عليه الصلاة والسلام أعلن في حجة الوداع أهم مبادئ الإسلام ودستوره، وقد سار الخلفاء من بعده على هذا المنهج، فاتخذوا من موسم الحج فرصة للالتقاء بولاة الأمور ومناقشتهم أوضاع البلاد ولاسيما بعد اتساع الدولة الإسلامية، فكان عمر رضي الله عنه يلتقي بعماله في موسم الحج، خاصةً الذين تصل إليه عليهم شكوى من رعاياهم، كما في قصة القبطي مع ابن والي مصر عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكتب الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى عماله قائلًا: إني آخذ عمالي بموافاتي في كل موسم (أي الحج)، وقد سلطت الأمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يُرفع عليّ شيء ولا على عمالي إلا اعطيته وليس لي ولا لعمالي من قبل الرعية إلا متروك لهم، وقد نقل لنا إخباريوا الصحابة والتابعين وإعلاميهم لنا ما دار في هذه المواسم.

على أن هذه المنفعة لا تعني أن يتخذ بعض الإعلاميين والسياسيين من موسم الحج غرضًا لإثارة الخلافات السياسية والنعرات الطائفية والعنصرية والعصبية؛ لأن أرض الحرم منطقة أمان ليست للناس وحدهم، وإنما تشمل بأمانها الطير في الجو، والصيد في البر، والنبات في الأرض، ثم إن الله عز وجل لا يأخذ على الإساءة إن فعلت في الحرم فحسب، وإنما يتعداها إلى النية السيئة إن بُيتت، يقول الله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الحج: 25)، فعلى الإعلاميين أن يتجنبوا إعداد معارك إعلامية أو مقابسات، تترك آثارًا سيئة في نفوس الآخرين.

الإعلام الاقتصادي:

إن البلد الحرام مثلما يُعد أكبر مكان لأداء العبادة فإنه يعد أكبر سوق وأوسع مركز للتجارة عالميًا، وهذا يُهيئ مائدةً واسعةً ومتنوعة للإعلاميين يتزودون منها في إعداد التقارير الإعلامية عن اقتصاد بلدان العالم الإسلامي، بل إنهم يستطيعون من خلالها أن يلتقوا بأكبر تنوع عالمي للتجار وأرباب الاقتصاد لمختلف دول العالم الإسلامي، فيغنيهم هذا اللقاء عن كثير من الأسفار والرحلات.

Ben Latif H QbRN2zPdQ Unsplash 3 Scaled

الإعلام الدعائي:

من يتابع ما يكتبه الغربيون عن الإسلام يجدهم يقفون مليًا عند فريضة الحج، وقد تأثروا بمشاهد الحج الاجتماعية ومعانيه التربوية ونالت اهتمامهم وإعجابهم، فدونوا ذلك ووثقوه؛ تقول الدكتورة الإيطالية (فاغليري جيث): مرة واحدة في حياة المسلم على الأقل تلغى الفروق كافة، بين الفقير والغني، وبين الشحاذ والأمير، إلغاءً تاماً؛ ذلك أن كل حاج مسلم يلبس خلال أداء تلك الفريضة الثياب البسيطة نفسها، ويخلف وراءه حلله الشخصية، ويتخذ لنفسه شعارًا واحدًا ليس غير هو لبيك اللهم لبيك، سوف ينزع الجميع الملابس والأزياء المزخرفة المختلفة باختلاف الأقطار والطبقات والقدرات والأذواق، ويلبس الجميع لباساً هو أشبه بكفن الموتى زيادةً في الموعظة.

فإذا نقل الغربيون في كتاباتهم الإعلامية والأدبية هذه المعاني التي استشعروها مجردةً أو مشاهدة، إلى أبناء جلدتهم وأثروا في تصويب الرأي العام في دولهم عن الإسلام وشعائره وتعديل قناعاتهم، حتى تأثر بها مفكرو العالم الإسلامي ومثقفوه، فمن باب أولى أن ينقل الإعلاميون الإسلاميون إلى بلدانهم أو على الأقل في أوساطهم هذه المعاني والمفاهيم ولاسيما الذين يؤدون هذه الفريضة ويشهدون منافعها.

 إن نقل المشاعر العظيمة بالوحدة الإيمانية، تحت راية العقيدة والتوحيد، التي تعود على الأمة الإسلامية بالخير وهي تؤدي فريضة الحج لله، إلى أبناء الأمة الإسلامية مما يعمق هذه المعاني في نفوسهم وتؤدي إلى تقوية الشخصية الإسلامية وتفعيل دورها في المحافظة على هويتها الايمانية، والإعلاميون من أولى الناس بتعريف الذين يشهدون الحج بقضايا مجتمعاتهم وبلدانهم، ومن هنا تتجلى مسؤولية الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية ولاسيما القنوات الفضائية في نشر هذه المعاني المستفادة من فريضة الحج، والعمل الجاد على تسخير إمكانياتهم وعملهم في إقامة الحملات الإعلامية والتقارير الصحفية والتغطيات الإخبارية المتواصلة للتعريف بهذه المنافع الإعلامية، سواءً في مناسك الحج أو مواسمه وبيئته.