الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:
فقد عالج النبي عليه الصلاة والسلام مسألة الارتقاء بالأسرة والوصول بها إلى أعلى مراتب الخيرية، مبتدئًا ببيان حقوق الأسرة وأنها من سننه، ومحذرًا من إهمالها والتهاون فيها؛ لما يُؤدي ذلك من ترك الاقتداء به وهجر هديه القويم، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَت: “دَخَلَتْ عَلَيَّ خُوَيْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ وَكَانَتْ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، قَالَتْ: فَرَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَذَاذَةَ هَيْئَتِهَا، فَقَالَ لِي: «يَا عَائِشَةُ، مَا أَبَذَّ هَيْئَةَ خُوَيْلَةَ؟» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، امْرَأَةٌ لَهَا زَوْجَ يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ فَهِيَ كَمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا، فَتَرَكَتْ نَفْسَهَا وَأَضَاعَتْهَا، قَالَتْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، فَجَاءَهُ، فَقَالَ: «يَا عُثْمَانُ، أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّتِي؟»، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ، قَالَ: «فَإِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ، فَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ»، قَالَت: فَأَتَتْهُمُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَطِرَةً كَأَنَّهَا عَرُوسٌ” رواه أحمد وأبو داود.
نعم إنّ لأهلك وأسرتك عليك حقًا لا يقل شأنًا عن الحقوق الأخرى، وقد فَقِهَ الجيل الأول من الصحابة الكرام هذا التوجيه النبوي وحولوه إلى برنامج توجيهي واقعي في تصحيح التعامل الأسري، أداءً لمسؤولية الأخوة الإيمانية، فعندما آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، زَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: “مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ؟ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ: سَلْمَانُ قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ سَلْمَانُ»” رواه البخاري.
02
“فمن لم يصنع الخير في أهله لن يكون مؤهلًا لنشر الخير في مجتمعه”.

إن منطلق الخيرية في المجتمع يبدأ من الأسرة بأداء حقوقها، والحرص على الارتقاء بها، قال عليه الصلاة والسلام: «خيركم خيركم لنسائهم» رواه الترمذي بسند حسن صحيح.

فمن لم يصنع الخير في أهله لن يكون مؤهلًا لنشر الخير في مجتمعه، ومن يترفع عن الوفاء بحقوق أسرته، فلا نأمل منه حرصًا على حفظ حقوق أبناء مجتمعه، بل لا عذر لأحد في تبرير ضعف تقديم الخير للأسرة بعد أن ضرب النبي ﷺ مثلًا واقعيًا في بذله الخير لأهله، على الرغم من كثرة مشاغله وتعدد التزاماته، قال عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» رواه الترمذي وابن ماجه بسند صحيح.

فهذه دعوة صريحة من معلم الناس الخير في البدء بالخير من الأسرة، فلا ارتقاء في المجتمعات إن تم التفريط بحقوق الأسرة، ولن نرتفع بحضارتنا إن لم نرتقِ بأسرنا، ولن يعم الخير في أوطاننا ونحن نزرع الشر في عوائلنا.
فلنبادر جميعًا في ترميم البناء الأسري، كونه اللبنة الأساس في صناعة المجتمعات، ولن يتحقق التوازن الاجتماعي إلا بالاستقرار الأسري، ومع أنّ الأسرة أصغر وحدة في البناء الاجتماعي، إلا أنها تمثل القلب في جسد المجتمع، فإن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، بل إنه ينهار بانهيارها وينحدر بانحدارها، وفي المقابل فإنه يرتقي عند الارتقاء بها، ويعم الخير فيه عندما نزرعه في أسرنا ونربي عليه أبناءنا.
إعلان
مساحة إعلانية
وأخيرًا يقول عليه الصلاة والسلام: «تَنَاكَحُوا، تَكْثُرُوا، فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه عبد الرزاق في مصنفه، ولعل من صور الارتقاء بالأسرة، وجعلها من خير الأسر وأفضلها، ومحط مباهاة النبي عليه الصلاة والسلام:
  • استشعار المسؤولية التضامنية للزوجين أو للأبوين في الإصلاح الأسري.
  • احترام الحقوق الزوجية وعدم التفريط بها أو الانشغال عنها بأداء حقوق الآخرين.
  • القيام بواجبات التربية الأسرية بصورها كافة: الإيمانية والأخلاقية والثقافية. 
  • الحرص على تفوق أفراد عائلتك في مراتب الدين وميادين الدنيا.
  • الحذر من التهاون في متابعة الأسرة، ولاسيما في ظل وسائل الترفيه والتواصل الحديثة؛ لأن ذلك أمانةٌ في أعناقنا، ومسؤوليةٌ شرعيةٌ نتحملها، قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ؟ حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ»، رواه الترمذي والنسائي.
  • لا تنشغل بنجاحك الشخصي عن نجاحاتك الأسرية: لابد من تكاملية النجاح في برنامج حياتك وخططك المستقبلية: فكن شخصية ناجحة– وزوجًا ناجحًا- وأبًا ناجحًا– وأخًا ناجحًا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.

الدكتور طه الزيدي